محمد جمال الدين القاسمي
173
تفسير القاسمي ( محاسن التأويل )
القول في تأويل قوله تعالى : [ سورة يوسف ( 12 ) : آية 32 ] قالَتْ فَذلِكُنَّ الَّذِي لُمْتُنَّنِي فِيهِ وَلَقَدْ راوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ فَاسْتَعْصَمَ وَلَئِنْ لَمْ يَفْعَلْ ما آمُرُهُ لَيُسْجَنَنَّ وَلَيَكُوناً مِنَ الصَّاغِرِينَ ( 32 ) قالَتْ فَذلِكُنَّ الَّذِي لُمْتُنَّنِي فِيهِ أي في الافتتان به وَلَقَدْ راوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ فَاسْتَعْصَمَ أي امتنع ، طالبا للعصمة ، مستزيدا منها . قال الزمخشري : الاستعصام بناء مبالغة ، يدل على الامتناع البليغ ، والتحفظ الشديد ، كأنه في عصمة ، وهو يجتهد في الاستزادة منها . ونحوه : استمسك ، واستوسع الفتق ، واستجمع الرأي ، واستفحل الخطب . وهذا بيان لما كان من يوسف عليه السلام ، لا مزيد عليه ، وبرهان لا شيء أنور منه ، على أنه برئ مما أضاف إليه أهل الحشو ، مما فسروا به الهمّ والبرهان . انتهى . وَلَئِنْ لَمْ يَفْعَلْ ما آمُرُهُ لَيُسْجَنَنَّ أي ليعاقبنّ بالسجن والحبس وَلَيَكُوناً مِنَ الصَّاغِرِينَ أي الأذلاء المهانين . ولما سمع يوسف تهديدها : القول في تأويل قوله تعالى : [ سورة يوسف ( 12 ) : آية 33 ] قالَ رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ وَإِلاَّ تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَأَكُنْ مِنَ الْجاهِلِينَ ( 33 ) قالَ رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ أي من مواتاتها ، لأنه مشقة قليلة ، تعقبها راحات أبدية . ثم فزع إلى اللّه تعالى في طلب العصمة بقوله وَإِلَّا تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ يعني : ما أردن مني أَصْبُ إِلَيْهِنَّ أي أمل إلى إجابتهن بمقتضى البشرية وَأَكُنْ مِنَ الْجاهِلِينَ أي بسبب ارتكاب ما يدعونني إليه من القبيح . قال أبو السعود : هذا فزع منه ، عليه السلام ، إلى ألطاف اللّه تعالى . جريا على سنن الأنبياء والصالحين ، في قصر نيل الخيرات ، والنجاة من الشرور ، على جناب اللّه عزّ وجلّ ، وسلب القوى والقدر عن أنفسهم ، ومبالغة في استدعاء لطفه في صرف كيدهن بإظهار أن لا طاقة له بالمدافعة ، كقول المستغيث : أدركني وإلا هلكت . لا أنه يطلب الإجبار والإلجاء إلى العصمة والعفة ، وفي نفسه داعية تدعوه إلى هواهن . انتهى .